محمد جمال الدين القاسمي
97
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « أنا أولى الناس بابن مريم ليس بيني وبينه نبيّ » . وهذا فيه ردّ على من زعم أنه بعث عيسى نبيّ يقال له خالد بن سنان . كما حكاه القضاعيّ وغيره . انتهى . وقال الحافظ ابن حجر في ( فتح الباري ) : استدل به - يعني بحديث أبي هريرة - على أنه لم يبعث بعد عيسى أحد إلا نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم . وفيه نظر لأنه ورد أن الرسل الثلاثة الذين أرسلوا إلى أصحاب القرية - المذكورة قصتهم في سورة « يس » - كانوا من أتباع عيسى . وأن جرجيس وخالد بن سنان كانا نبيّين ، وكانا بعد عيسى . والجواب : أن هذا الحديث يضعف ما ورد من ذلك . فإنه صحيح بلا تردد . وفي غيره مقال . أو المراد : إنه لم يبعث بعد عيسى نبيّ بشريعة مستقلة . وإنما بعث بعده ، من بعث ، بتقرير شريعة عيسى . وقصة خالد بن سنان أخرجها الحاكم في ( المستدرك ) من حديث ابن عباس ، ولها طرق جمعتها في ترجمته في كتابي في ( الصحابة ) . انتهى . وقد ذكرت في كتابي ( إيضاح الفطرة في أهل الفترة ) في الباب الحادي عشر من كان في الفترة من الأنبياء على ما روي . فارجع إليه . قال ابن كثير : والمقصود من هذه الآية ، أن اللّه بعث محمدا صلى اللّه عليه وسلم على فترة من الرسل ، وطموس من السبل ، وتغيّر الأديان ، وكثرة عبّاد الأوثان والنيران والصلبان . فكانت النعمة به أتمّ النعم ، والحاجة إليه أمر عام ، فإن الفساد كان قد عمّ جميع البلاد ، والطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد . إلّا قليلا من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين . كما روى أحمد « 1 » عن عياض المجاشعيّ - رضي اللّه عنه -
--> ( 1 ) أخرجه 4 / 162 . و أخرجه مسلم في صحيحه في : الجنة ، حديث 63 وهاكموه نسوقه بنصه الكامل لما فيه من الفوائد الجليلة : عن عياض بن حمار المجاشعيّ ، أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته : « ألا إن ربّي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني ، يومي هذا . كل مال نحلته عبدا حلال . وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم ( أي استخفوهم فذهبوا بهم وأزالوهم عما كانوا عليه وجالوا معهم في الباطل ) عن دينهم . وحرمت عليهم ما أحللت لهم . وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا . وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم ، عربهم وعجمهم . إلا بقايا من أهل الكتاب . وقال : إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك . وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء . تقرؤه نائما ويقظانا . وإن الله أمرني أن أحرّق قريشا . فقلت : ربّ ! إذا يثلغوا رأسي ( أي : يشدخوه ويشجّوه ، كما يشدخ الخبز ، أي يكسر ) فيدعوه خبزة .